الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
174
نفحات القرآن
فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها ، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ، ولم تبعث إلى أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط عليه السلام ونبيٌّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك ، وقد أرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا كيونس عليه السلام . . . والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل اولي العزم وقد كان إبراهيم عليه السلام نبياً وليس بإمام حتى قال اللَّه « انِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى » فَقَالَ اللَّهُ : « لَايُنَالُ عَهْدِى الظَّالِميِنَ » من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً » « 1 » . ( البقرة / 124 ) 2 - ما هي حقيقة الوحي ؟ لقد قرأنا وسمعنا الكثير عن حقيقة الوحي ، لكن رغم ذلك كله ، فإنّ معرفتنا لحقيقته غير ممكنة ، لعدم ارتباطنا بهذا العالم الغامض ، وحتى لو فسّره لنا الرسول بنفسه ، فانّه لا ينطبع شيء في أذهاننا عنه سوى شبح . ومثل ذلك كمثل شخص بصير يريد أن يصف أشعة الشمس الجميلة ، وأمواج البحر الهائجة وأجنحة الطاووس الملوّنة والمنظر الخلّاب للورد وبراعم الحديقة الخضراء . لشخص ولد أعمى ، وقد تحصل صور مبهمة ومشوشة لهذه المخلوقات عند الأعمى إلّاأنّ إدراك صورها الحقيقية فهو أمر مستحيل . لكننا نستطيع توضيح الوحي عن طريق آثاره وأهدافه ونتائجه ، ونقول : إنّ الوحي هو الالقاء الإلهي الذي يتمّ بهدف تحقيق النبوة والتبشير والانذار ، أو نقول : إنّه نور يهدي به اللَّه من يشاء ، أو نقول : إنّه وسيلة الارتباط بعالم الغيب وإِدراك معارف ذلك العالم ، ولهذا السبب نرى القرآن يتحدث عن آثار الوحي لاعن حقيقته . وينبغي أن لا نعجب من هذا الأمر ، وأن لا نتخذ عدم إدراك حقيقة الوحي دليلًا على عدم الوجود ، أو نفسره بتفاسير مادية جسمية ، فإنّ في عالم الحيوانات التي نعدها في مستوى
--> ( 1 ) . أصول الكافي ج 1 ، باب طبقات الأنبياء .